كيف نتواصل معك
المدينة المنورة واحة الثقافة الإسلامية
    

المدينة المنورة واحة الثقافة الإسلامية

لم تكن قيمتها في موقعها الجغرافي فقد يفوقها غيرها، ولا بالمعمار الهندسي فلعل مدناً تسبقها، ولكن تنبع قيمتها من أنها حاضنة نبينا، ومنطلق ديننا، وتاج فخرنا وساحة عزنا، ومصدر إشعاع الثقافة الإسلامي، ومهوى أفئدة عشاق النبي r . إن المدينة المنورة هي حقاً واحة الثقافة الإسلامية منذ بواكير انطلاقتها مهاجراً ومأواً ومقاماً وعاصمةً للإسلام والمسلمين. ولقد خلّفت ولا تزال تراثاً ثقافياً وحضارياً ومعرفياً ضخماً في مختلف المعارف والعلوم الإنسانية والسلوكيات البشرية  التي كونتها الحياة الإسلامية على مدى قـرون عديدة ، والتي دبجت ضمن سلسلة من الكتب التي تتناول هذه المعارف في مجالات الدراسات الإنسانية أو العلمية عرضاً لهذه الثقافة أو إشادة بتأثيرها الحضاري. فمنذ خطابه الأول صلى الله عليه وسلم انغرست بين ابطحها بذور الثقافة الإسلامية وتلطفت أجوائها فاضحت بيئة صالحة لنهضة الثقافة الإسلامية ومنطلقاً للحضارة الإنسانية. قال أبو يوسف عبد الله بن سلام رضي الله عنه : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قِـبَـله، وقيل: قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ ثلاثا ــ فجئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذّاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ([1]). فلقد أرسى r قواعد المجتمع المسلم وبدأ في بنائه منطلقاً من مسجده بالمدينة المنورة الذي كان معبداً للتعبد، وقاعةً للتعلم، وبيتاً للترابط والمؤاخاة، ومنبراً للتشاور والتواصل، وميداناً للتدرب والاستعداد. وبالمدينة ظهرت أول وثيقة لحقوق الإنسان والمواطنة والتعايش عرفتها البشرية، وبالمدينة انداحت الشورى وبسط الحوار. وبالمدينة أسس النبي لأول مجتمع يقوم على المساواة ونبذ العنصرية، حيث لا فضل بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى، وبالمدينة آخى الرسول بين الصحابة فما عرفت البشرية، إيثاراً ولاحباً وعوناً بين الناس كما فعل الصحابة. ولقد عنى الدين الإسلامي بالعلم والمعرفة أيّ ما عناية. فقد كان أول كلمات وحيه تشير إلى أهم وسيلة للمعرفة وهي القراءة، "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ([2])،.ولقد جاء رسول الله r ليقول ويعلن أن: "طَلَبُ الْعِلْـمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ([3]) لتصبح القضية واجبًا دينيًّا، وقضيَّة شعبيَّة مفروضة على الجميع؛ إذ يجب أن يطلب الجميعُ العلمَ، ليصبحوا جميعًا متعلِّمين، لم يُستثنَ من ذلك رجل أو امرأة. وقام رسول الله r بالتطبيق العملي لهذا المنهج عندما وافق أن يُطلِق سراح أسرى غزوة بَدْر في نظير أن يقوم كل منهم بتعليم عشرة من أهل المدينة المنورة القراءة والكتابة، فكان هذا فكرًا حضاريًّا ثقافياً لم يكن معروفًا البتَّة في العالم في ذلك الوقت. ولقد كان علمهم عملياً، فما من آيةٍ أو حديثٍ يتعلمونه إلا وسرعان ما يفقهونه ويطبقونه. فكانت معرفتهم يُعبرون عنها سلوكاً عملياً عبر الصفات الحميدة أو الأخلاق السوية أو السلوك القويم، ولقد كان الوحي يأتيهم في العبادات وفي المعاملات، ولقد خاطبهم ربهم بأبلغ خطابٍ، وعلمهم أرقى ما عرفته البشرية مما يسمى حديثاً بمنظومة الإتكيت، في التعاملات الراقية والأنيقة التي تنم عن الأدب والذوق ومنتهى الإنسانية. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29) ([4]). ولقد بلغ بهم الأمر في الترقي الإنساني والسمو الأدبي حتى أنهم أصبحوا يعلمون بعضهم كمال المشاعر وقمة السلوك فعن عبد الله بن عمر t أن رسول الله r مر على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله r  دعه فإن الحياء من الإيمان([5]).

 ولقد أقبل الصحابة الأجلاء وتنافسوا في تعرفهم وتعلمهم وترقيهم في حفظ كلام الله عز وجل، وأحاديث النبي r حتى برع بعضهم وتخصص آخرون. فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِr أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيٌّ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ([6]). ومما يلاحظ أن الحديث ذكر الصفات مع المهارات، ومزج السلوكيات بالقدرات وهو غاية العلم في الإسلام أن تعلموا لتعملوا. وتشجيعاً للأمر ودفعاً له فقد اعتبر الإسلام أن الإنفاق على العلم صدقة وقربة إلى الله، هذا الأمر جعل الموسرين من أبناء الأُمَّة يُنْفِقون أموالهم على بناء المدارس ودور العلم، بل ويُوقفون الأوقاف الكثيرة لرعاية طلاَّب العلم، وبناء المكتبات، وتطوير المدارس، فصار هذا الإنفاق على العلم بابًا من أبواب الخير لرجال الاقتصاد كذلك، وليس لرجال العلم فقط. وهكذا كانت قضية العلم والثقافة والمعرفة عامَّة، تهم وتخص الجميع؛ حيث طلب العلم واجب وفريضة على كل مسلم، ومِن ثَمَّ انتشرت المكتبات وكثرت مجالس وحلق العلم، وانمحت الأمية أو كادت.

ولقد استمر هذا الحراك العلمي والمعرفي والثقافي في مجتمع المدينة حتى بعد وفاة الرسول r حيث ظهرت آثاره ومظاهره الرائعة في المجتمع. ومن ذلك نجد  استمرار حلقات العلم والمعرفة بين جنبات المسجد النبوي الشريف التي يدارس فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم بعضاً كلٌ حسب تخصصه، ثم نقلهم لهذه الحلقات العلمية والتعريفية إلى المناطق الأخرى التي تمددت عليها رقعة الدولة الإسلامية وتوسعت فتبع ذلك ظهور علماء تلاميذ من التابعين وتابعيهم نشطوا في هذه المجالس العلمية الواسعة عبر الأجيال ونشروا حلقات العلم في كل ربوع العالم الإسلامي ، حيث كانت تصل في بعض الأحيان إلى أرقام غير متخيَّلة؛ فمجلس ابن الجوزي مثلاً كان يحضره أكثر من مائة ألف شخص كلهم من عامَّة المسلمين، وكذلك مجالس الحسن البصري، وأحمد بن حنبل، والشافعي، وأبي حنيفة، والإمام مالك، بل وكان هناك أحيانًا في داخل كل مسجد أكثر من حلقة علم في وقت واحد؛ فهذه في تفسير القرآن، وهذه للفقه، وأخرى للحديث النبوي، ورابعة للعقيدة، وخامسة لدراسة الطبِّ، وهكذا.

كذلك من مظاهر ذلك الحراك العلمي والثقافي ظهور المكتبات العامة: فبعد جمع القرآن الكريم وكتابته، وما تلاه من عناية برواياته، بدأ التوثيق لحديث النبي r وسنته، وسيرته. وتوسعت علوم القرآن والسنة النبوية، ونشطت حركات الترجمة والبحوث، وتوسعت العلوم والتخصصات، فانطلاقًا من هذا الحثِّ وذاك التشجيع الذي بات من صميم الدين، أسَّس المسلمون المكتبات العامَّة المفتوحة لعموم الناس، فكانوا يقرءون فيها بالمجَّان، وينسخون ما يريدون من صفحات العلم المختلفة، بل وكان كبار الخلفاء والأمراء يستضيفون في هذه المكتبات طلاَّب العلم من البلاد المختلفة، ويُنْفِقون عليهم من أموالهم الخاصَّة. وقد وُجِدَتْ هذه المكتبات بكثرة بالمدينة المنورة وفي كثير من مدن العالم الإسلامي.  ولعلَّ من أشهرها مكتبات: بغداد، وقرطبة، وإشبيلية، والقاهرة، والقدس، ودمشق، وطرابلس، والمدينة، وصنعاء، وفاس، والقيروان  وغيرها.

ولا شك أن العالم قد استفاد من العلوم التي أسس لها أهل الإسلام، وذلك مثل علم الحساب والجبر والمقابلة، وعلوم الطبيعة والطب والفلك والجغرافيا وغيرها مما توصل علماؤنا إليه قبل مئات السنين وهو الذي بنى عليه غيرنا حتى بلغوا هذا المستوى المتقدم في العلوم العصرية التي قادت إلى ما انتهى إليه هذا التقدم والازدهار .

ولقد ظلت المدينة المنورة تشع بنورها معرفةً وثقافةً وعلماً، تحتضن إرث النبوة ونور الإسلام، على الرغم مما أصاب المسلمين وتعرضت له دولتهم من تحولات وتقلبات عبر الحقب والعصور. وها هي المدينة المنورة تتألق ببريقها، وتتباهى بعراقتها في ظل عنايةٍ حانية ورعايةٍ واعية من قبل ولاة الأمر في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود. وها هي تزدان عروساً وعاصمةً للثقافة الإسلامية لهذا العام 1434هـ/2013م.